محمد غازي عرابي
646
التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم
وأنى توجه ، ومهما فعل أو ركب من طريق فمصيره إلى اللّه إذا أراد اللّه به اليسر ، ويسره للحسنى ، وسبقت له منه العناية والتوفيق ، فكن على أي دين ، شريطة أن تكون مخلصا سليم القلب والنية ، تنته إلى اللّه . . . وهذه الطريق الجامعة هي التي سماها سبحانه الإسلام وقال فيها : إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ [ آل عمران : 19 ] . [ سورة الحج ( 22 ) : الآيات 68 إلى 69 ] وَإِنْ جادَلُوكَ فَقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ ( 68 ) اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ( 69 ) [ الحج : 68 ، 69 ] الحكم يوم القيامة للأسماء ، فكل معقول عند الكشف يجادل عن مضمونه ، ولما كان المجموع محجوبا في عين الجمع فالدلالة واضحة وهي الحكم لمليك الأسماء الواحد القهار . [ سورة الحج ( 22 ) : آية 70 ] أَ لَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذلِكَ فِي كِتابٍ إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ ( 70 ) [ الحج : 70 ] باعتباره سبحانه الباطن فهو يبطن الشيئيات ومن فيهن من النفوس الجزئية ، وباعتباره الجوهر الذي تقوم به الأعراض ، فكل الأعراض لا تتحرك إلا به ، وحركتها نفسها علمه بها ومشيئته وقدرته ، فلا يعزب عنه تعالى علم شيء ، ولهذا جاء في الآية أن هذا العلم في كتاب ، والكتاب اللوح المحفوظ أو النفس الكلية التي منها تصدر النفوس الجزئية والأشياء . [ سورة الحج ( 22 ) : الآيات 71 إلى 72 ] وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً وَما لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ ( 71 ) وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنْكَرَ يَكادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آياتِنا قُلْ أَ فَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكُمُ النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ( 72 ) [ الحج : 71 ، 72 ] لما كانت النفس الجزئية شعاع النفس الكلية كانت فيها فطرة الحق والعدل ، وهي الفطرة التي جعلت الناس في كل زمان ومكان متفقين على ضرورة المفاهيم الأخلاقية ومقتضياتها التي من دونها لا تستمر الإنسانية تحيا بل ولا تتحقق الحياة نفسها ، ولما كان الظالم يستر فطرته ويخالفها بتأثير النفس الأمارة فإنه حين يسمع شيئا عن هذه المفاهيم يتلى يستنكر ، وكما ورد في الآية يكاد يبطش بالقائل المؤمن ، وأضافت الآية قائلة إن ما هو شر من موقف الكافر النار التي وعده اللّه إياها ، والنار حجاب وبعد ، وهذه نتيجة بدهية لموقف الكافر نفسه من الحقيقة .